المقريزي

268

المقفى الكبير

علي محمد بن علي [ بن الحسن ] « 1 » بن مقلة - وكان يرجف له بالوزارة - فنظر إلى السّترين والإجّانتين ، وقال : يا أبا عليّ ، ما أحتمل لك هذا كلّه ! أرسل إليّ فرد ستر وإجّانة ! فضحك ، وانقضى المجلس ، فلمّا قام أبو علي ابن مقلة بعث إليه بالعدلين والعشرين إجّانة . فبعث إليه رقعة بشكره فيها ، ولم تمض غير أيّام قلائل حتى تقلّد ابن مقلة الوزارة ، فبعث إلى أبي زنبور يقول : يا أبا عليّ ، إنّي لم أتقلّد الأمر إلّا من جهة البقايا « 2 » . وأنت في الأوّل . تقوم الساعة فاعمل للنفقة وجوها ، وتبقّي اثنين وستّين ألفا وستّمائة واثنين وخمسين دينارا وكذا ، وائتني العشيّة بالعمل ! ففعل أبو زنبور ذلك ومشى به إلى الوزير وانصرف عنه ، فلمّا كان من السحر أتاه رسول الوزير ، فصار إليه ، فقال له : عندك خبر ؟ دخلت البارحة على أمير المؤمنين بعد ذهابك ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتعبت وزيرك بالبقايا وشغلته بها عن الأصول وعن التدبير ، وأكثر هذه البقايا محال : هذا عبدك الحسين بن أحمد عامل مصر ، عليه بقايا ، وقد أخرج لها وجوها . وبقّى على نفسه شيئا مبلغه نيف وستّون ألف دينار وكسر . ولولا أنّ حسابه صحيح ، ما كان يبقّي على نفسه شيئا . فقال : هو كذلك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، تترك حسابه على ما هو عليه . فقال : أفعل فقلت : ويسمح له بما بقّاه من منكسر وتالف . فقال : أفعل . فقلت : قد طال مقامه ، فيردّ غير وال ؟ قال : يردّ إلى عمله . فقلت : فأين موضع عنايتي به ؟ فقال : زده الشام . [ قال ] : وهذه كتبك ، سر في غد ولا تتأخّر ولا تتجهّز أنت بتجهّز بالرقّة وحلب . فودّعه وسار حتى قدم مصر . [ براعته في حساب الخراج ] ودفع مرّة ستّمائة ألف دينار إلى أبي الحسين محمد بن [ الحسين ] بن عبد الوهّاب « 3 » ، ومع المال دفتر ، وقال له : اصرف هذا المال أنت ، وإسحاق بن نصير « 4 » ، ومحمد بن زيد ، على ما في [ 437 أ ] هذا الدفتر . فاختزلوا من المال ثلاثين ألف دينار وصرفوا ما بقي ، وتركوا الدنانير عند إسحاق بن نصير ، ورفعوا الحساب . فأقام شهرا واتّعدوا على قسمة ما اختزلوه . فعند ما اجتمعوا في منزل إسحاق أتاهم رسول أبي زنبور بحضور أبي الحسين . فقام ودخل عليه وأكل معه ، وأخرج إليه الحساب فأراه فصوله ، وسأله عنه فصلا فصلا . فسكت [ أبو ] الحسين عن فصول ، فقال له أبو زنبور : لعلّكم اختزلتم شيئا ؟ قال : نعم ، ثلاثين ألف دينار ، وهي بحالها . فعبّس أبو زنبور وجهه وقال : أتظنّ أنّه بخل عليكم ؟ ولكن كان سبيل هذا أن يكتب كذا ، وهذا

--> ( 1 ) الزيادة من الوافي 4 / 109 ( 1098 ) ، وقال : صاحب الخطّ المنسوب . وانظر ما كتب في دائرة المعارف الإسلاميّة عن ابن مقلة 3 / 911 ، وابن البوّاب 3 / 759 بخصوص هذا النوع من الخطّ . ( 2 ) أي بقيّة الدين للدولة . ( 3 ) هو كاتبه ( الصولي : وزراء 51 ) . ( 4 ) ابن نصير النصرانيّ ( النجوم 3 / 150 ) .